04 - 06 - 2026

خطواتٌ نحو الثراء، تعانقُ أجيالَ مسرح الحاضر والماضي والمستقبل | عن العرض المسرحي "عنبر 10"

خطواتٌ نحو الثراء، تعانقُ أجيالَ مسرح الحاضر والماضي والمستقبل | عن العرض المسرحي

على بُعد خطوات من قبة الجامعة العريقة، حيثُ دَرَسَتْ طالبة كلية الآداب، ثم تَخَرَّجَتْ بالحلم الذي نشأت وترعرعَتْ عليه من قبل، حاملةً هموم الكلمة الصادقة والإحساس والموهبة، منذ كانت تشارك في مدرستها الثانوية بحي شبرا في العروض المسرحية، فاستحقَّتْ بعد سنوات من المجهود المستمر، والعمل الذي تفانت فيه ناقدةً، أن يُطلَق اسمُهَا عليه في ذلك المكان، بأكاديمية الفنون، إنه مسرحُها باسمها هي.. إنها (د.نهاد صليحة)، أحد أبرز نقاد المسرح في جيلها، والتي نشأنَا نحن على مقالاتها التي وَقَفَتْ فيها على فَنِّيَّاتِ المسرح في كل عرضٍ قَدَّمَتْهُ لجماهيرِه، حيث نما بداخلنا الوعيُ المسرحيُّ بالوقوفِ على مفرداتِ عروضِهِ، كأصحابِ ذائقةٍ لا كمتخصصين مثلها هي ومَن تتلمذوا على يديها كنقاد.

لأول مرة تجذبني فاترينات العرض التي احتضنَتْ جوائزها وأوسمتها، وتقديراتها، وفوقها عبارة اختُطَّتْ بجاذبيَّةٍ جَعَلَتْنِي لا أُغَادِرُ قبلَ أن أسألَ أحدَهُم أن يلتقطَ لي صورةً أمامَها. وبجوار فاترينة العرض آلة كاتبة عليها اسمُها، تأمَّلتُها بأصابعها اللطيفة تضغطها لتكتبَ عليها أفكارها التي أدهشتنا بها عن أبي الفنون. وداعبتني أغلفةُ كتبها من ذاكرتي المتواضعة، حيثُ رغبتُ يومًا أن ألتحقَ بمعهد الفنون المسرحية، وبعد قراءاتٍ متواضعةٍ لكُتابٍ مصريين، كانتْ هي على رأسهم بانحيازٍ شديدٍ أنثويٍّ لرؤى تُقَدِّمُهَا المرأة المصرية العظيمة عن محورِ الإبداعِ والفنون، وجدتُنِي الآن أضغط أزرار لوحتي المفتاحية لأُسَجِّلَ عليها ما انطبعَ لديَّ من إحساسٍ تجاهَ العرض الأولَ الذي دُعيتُ إلى حضوره على مسرح أكاديمية الفنون، (مسرح نهاد صليحة). ومَن يدري، فلعل حلمي القديم يتسلل إليَّ مجددًا، ويُلِحُّ عليَّ لأُسَّجِّلَ بالمسرح دراسةً جديدةً تُضافُ إلى سِجِلِ تاريخي الأدبي، ومشواري الذي كنتُ يومًا فيه تلميذةً لزوجها المترجم أستاذنا الدكتور محمد عناني، في دبلوم الدراسات العليا للترجمة بكلية الآداب، وتحت سماء القبة ذاتها.

كان (عنبر 10) انطلاقًا جديدًا لي، تحررَتْ من خلالهِ أفكاري عن المسرح مجددًا، وانسلَتُّ من بين الحضورِ لأعتلي أحد كراسيه الأمامية، حيثُ آثرتُ الاندماجَ شكلًا وموضوعًا في النص المقدم. إنه الانحياز للشباب، ومَن لم ينحز لهم، فلمَن ينحز إذًا؟ وبالعنوان مفتاح النص؛ إذ لا بد لهذا العنبر أن يكون حتمًا في إحدى المصحات النفسية للأمراض العقلية، استدعاني عنوان الاسكتش الذي قدمه إسماعيل يس من قبل في أحد أفلامه، وهو يؤدي دوره كنزيل عنبر العقلاء. وبالطبعِ كانت الافتتاحية التي اندمج فيها الممثلون مع الجماهير، فخرج كلُّ واحدٍ منهم ملتحمًا بالجماهير في صالةِ العرضِ بجملة، حملَتْ من الألم النفسي ما بدأ يرسم خطًّا خارجيًّا لكل شخصية، فمِن الممثلة التي تحمل دمية إلى الممثل الذي يطوق رقبته بمقياس أبعاد الأقمشة، والآخر الذي يشير بكف يده إلى وجهك وكأنه جندي يشهر في وجهك سلاحه في معركة، وآخر يحمل في يده هاتفه المحمول الذي ينظرُ فيه بلا توقف حتى صار دينَهُ وديدنَه، وغيرهم وصولًا إلى شخصية العرض التي التَفَّتْ حولها الشخصيات الأخرى، لأنه هو من يرسمهم بقلمه. ومِن هنا يأتي ديكور العرض في الخلفية بسيطًا معبرًا، فالجدران القماشية عليها خطوط غير تفسيرية إلا لآلام المعاناة الداخلية لتلك الشخوص، وتتدلى أحبالٌ تصنعُ شكلًا يبدو في أعينهم جماليًّا، وعبارتان مخطوطتان بخطوط متواضعة على اليمين واليسار تقولان: أنا الحقيقة.. أنا دليلك في الضلمة، والأخرى تقول: انتَ اللي بتكتبنا ولا احنا اللي كتبناك؟ وتدخل (عفاف)، التي يتضح من خِيفَتِهِم منها أنها المسيطرة عليهم بدورها كممرضة مسؤولة عن العنبر، وهي تأخذ (يحيى) من يده لتقدم له الوجبة الدسمة التي سوف يكتب عنها في إحدى رواياته، لينال بها شهرةً وجائزة، وفي الركن تتابعه محتضنة كتابًا يحمل اسم الرواية التي يريد كتابتها، ليلى. إنها الشخصية التي تتولى تقديم الشخصيات داخليًّا ليحيى لكي يكتبها، ومع كل معاناة لكل شخصية تقف لتذكِّرَهُ أنها هي مَن تقدم له الحقيقة، وأن ثمة ملابسات تحيط بكل شخصيةٍ دفعتها للنزول بهذا العنبر. بل وتُكمل (ليلى) بتعليقاتها عن كل شخصية سواء في مقدمة حكايتها أو في منتهاها، لتتبلور في ذهن الكاتب أبعادٌ أكثر لمسًا لمشاعره، فيجد محورًا متدفقًا يصوغُ من خلاله عباراته في دفتر يسجل فيه بيده مخطوطة روايته. وتأتي الحركة المسرحية تارةً لتشركَ يحيى كاتب الرواية في المشهد مندمجًا مع ليلى في حوارٍ عن شخصيته، وتارةً أخرى من ركن بزاويةٍ كمُشاهدٍ لتفاصيل رحلةِ كل شخصية. فهُناك من الشخصيات التي تدفعه حوارًا أن يكتبها، وهناك من الشخصيات التي تُلقي باللوم عليه أنه لم يقدم لها الحل لكي تتفادى معاناتها. نذكر منها حالة الأب الذي أنكره أولاده ومن خلفهم زوجته، وذلك على الرغم من تضحياته، وكذلك الطفلة التي تاهت بين أبوَيْن غير متفاهمَيْن لا يريدان الاختلاط بها، ويهملان شؤونها، حتى انتهى الصراع بهما بالتخلص من الحياة المزعجة. أما الجراح الماكر الذي اعترفَ أمام الجميع أنه كان صائدًا لضحاياه للإتجار بأعضائهم، فيقع في النهاية فريسةً لنفسه، وتتلطخ يداه بدماء ابنته التي يخطفها سمسار مبتدئ معه في العمل وتكون بذلك نهايته التي لم يستطع استيعابها بفقدان عقله تأثرًا بما جناهُ على نفسه وعلى ابنته.

تلقي الإضاءةُ الخافتةُ الواقعةُ على كل شخصيةٍ بظِلِّهَا لتُتوِّجَ النصَّ المسرحيَّ الذي قدمه مخرجُ العرض ذاته، والذي أراد أولًا أن يُخرِجَ نفسَه من إطار العمل الإخراجي لينطلق في تأليفه، فيحاول كسر التقليدية التي ربما حملها العنوانُ، الذي ذكرْتُ آنفًا أنه جزءٌ من ذكرى الاسكتش الضاحك لعنبر العقلاء، والذي لم تسلم الملابسُ من تقليديته، فكانت المنامةُ أو ما نسميها بالبيجامة جزءًا من مفردات العمل التراجيدي (عنبر 10) واشتركَ فيها الممثلون، وبينما تتغيرُ من مشهدٍ للآخر سماتهم الشكلية والإبداعية، بتَفَرُّدٍ في الأداء باستخدام أيضًا اللوازم الحركية واللفظية وبعض التفاصيل البسيطة، تجد الأقنعة التي استخدموها كتعبيرٍ موحَّدٍ عن الاشتراكِ ليس فقط في المكان، وإنما في انحسارهم كمادة ممتازة جاذبة لذلك الكاتب الشاب (يحيى) الذي يسعى أن يصنع من خلالهم مادةً أخرى ليرويها لجماهيره من القراء.

أما إلحاحهم نصًّا أنهم يُدمجون الكاتبَ معهم بعبارتهم: إحنا اللي كتبناك، ففيه معيارُ الصدق بإدانته حيثُ حملَ هو الآخر معاناةً تكادُ تتشابه مع معاناتهم، فهو الحبيبُ الذي تأخرَ في إعلانه الحب لمحبوبته، حتى وافتها المنيَّةُ، فكانت صدمةٌ أخرى له جعلته يخرج منها بالكتابة، لكنه مازال في حالة من رفضِ الاعتراف بما جناهُ عليها، إلا أن الجميع يُذكِّرُونَهُ بأنه جزءٌ ملتحمٌ من هذا العنبر، حتى وإن جاز له الرفض، فالطبيب المعالج والمشرف على الحالات يدخل إليه بمفاجأة زمانية، وهي أن ما قضاه معهم ليس كما اعتقد فقط ثلاثة أسابيع، بل زادوا عليهم ليصلوا إلى ثلاث سنوات.

تخلل العرضَ بعضُ الاستعراضات البسيطة والرقصات المعبرة التي التحمت مع نسيج العرض؛ لتبرزَ ديباجته الكاسرة لملل المشاهد. حتى في اختيار بعض نصوص وكلمات الأغنيات وموسيقاها ما كان ملائمًا لمحتوى النص وأغراضه. كانت هذه البانوراما تتويجًا لممارسة العمل المسرحي الدؤوب لمدة ثلاثة أشهر لفريق ميم المسرحي، الذي تولى إبراز طاقاته الإبداعية المؤلف والمخرج المسرحي الشاب (محمد يوسف مومو)  مع كوكبة من الممثلين الشباب: محمد إبراهيم، إسلام الجندي، مهرة سليم، دعاء عكاشة، محمد سامي، ثروت نظير، فتحي خضر، أدهم سامح، يوسف جو، رضا ناصر، حبيبة تامر، شمس شريف، أحمد سعيد، أدهم كساب، حسن الفرحاتي، ماريا عيد، إسراء مسعد، سما حسام، محمد زميل، محمود حمادة، سلمى دياب، رضوى عوض، ومنار محمد. ومن وراء الممثلين يقف فريق العمل بلمساته الإبداعية، فالديكور لـ جوزيف نسيم، والاستعراضات لـ محمد بحيري، والإضاءة لـ أحمد أمين، ومساعد المخرج: حسن فرحات، والمخرج المنفذ: مهرة سليم.
------------------------------------------
بقلم: رانيا مسعود